رد أهل العلم ودحضهم لها
قال ابن عبد البر رحمه الله: (وأما الحكم بن عتبة، وحماد بن أبي سليمان، فلم يختلف عنهما في إجازة حمل المصحف بعلاقته لمن ليس بطاهر، وقولهما عندي شذوذ ومخالفة للأثر، وإلى قولهما ذهب داود بن علي، قال: لا بأس أن يمس المصحف، والدنانير والدراهم التي فيها ذكر الله، الجنب والحائض؛ قال: ومعنى قوله "لا يمسه إلا المطهرون" هم الملائكة؛ قال: ولو كان ذلك نهياً لقاله "لا يمِسُّه"؛ واحتج أيضاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن لا ينجس".
قال أبو عمر: قد يأتي النهي بلفظ الخبر ويكون معناه النهي، وذلك موجود في كتاب الله كثير، نحو قوله: "الزاني لا ينكح إلا زانية أومشركة" جاء بلفظ الخبر، وكان سعيد بن المسيب وغيره يقول: إنها منسوخة بقول الله عز وجل: "وأنكحوا الأيامى منكم"، ولو لم يكن عنده في هذا الخبر معنى النهي ما أجاز فيه النسخ، ومثله كثير).5
وقال القرطبي رحمه الله: (اختلف في معنى "لا يَمَسُّه" هل هو حقيقة في المس بالجارحة أومعنى؟ وكذلك اختلف في "المطهرون" من هم؟ فقال أنس وسعيد بن جبير: لا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة؛ وكذا قال أبو العالية وابن زيد: انهم الذين طُهِّروا من الذنوب كالرسل من الملائكة، والرسل من بني آدم، فجبريل النازل به مطهر، والرسل الذين يجيئهم بذلك مطهرون.
إلى أن قال: وقال المهدوي: ويجوز أن يكون أمراً وتكون ضمة السين ضمة إعراب، ويجوز أن يكون نهياً، وتكون ضمة السين ضمة بناء، والفعل مجذوب.
إلى أن قال: وقد رُوي عن الحكم وحماد وداود بن علي أنه لا بأس بحمله ومسه للمسلم والكافر طاهراً أومحدثاً، إلا أن داود قال: لا يُجَوَّز للمشرك حمله؛ واحتجوا في إباحة ذلك بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر وهو موضع ضرورة، فلا حجة فيه، وفي مس الصبيان إياه على وجهين، أحدهما المنع اعتباراً بالبالغ، والثاني الجواز، لأنه لو مُنِع لم يحفظ القرآن، لأن تعلمه حال الصغر، ولأن الصبي وإن كانت له طهارة إلا أنها ليست بكاملة، لأن النية لا تصح منه، فإذا جاز أن يحمله على غير طهارة ، جاز أن يحمله محدثاً).6
وقال النووي رحمه الله: (وعن الحكم، وحماد، وداود: يجوز مسه وحمله؛ وروي عن الحكم وحماد جواز مسه بظاهر الكف دون بطنه، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل كتاباً فيه قرآن، وهرقل محدث يمسه وأصحابه، ولأن الصبيان يحملون الألواح محدثين بلا إنكار، ولأنه إذا لم تحرم القراءة فالمس أولى، وقاسوا حمله على حمله في متاع، واحتج أصحابنا بقول الله تعالى: "إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين"، فوصفه بالتنزيل وهذا ظاهر في المصحف، الذي عندنا، فإن قالوا: المراد اللوح المحفوظ لا يمسه إلا الملائكة المطهرون، ولهذا قال يمسه بضم السين على الخبر، ولو كان المصحف لقال "يمسَّه" بفتح7 السين على النهي، فالجواب: إن قوله تعالى "تنزيل" ظاهر في إرادة المصحف، فلا يحمل على غيره إلا بدليل صحيح صريح، وأما رفع السين فهو نهي بلفظ الخبر، كقوله: "لا تضارُّ والدة بولدها" على قراءة من رفع، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يبيعُ أحدُكم على بيع أخيه" بإثبات الياء، ونظائره كثيرة مشهورة، وهو معروف في العربية، فإن قالوا: لو أريد ما قلتم لقال "لا يمسه إلا المتطهرون"، فالجواب أنه يقال في المتوضئ مطهرومتطهر، واستدل أصحابنا بالحديث المذكور، وبأنه قول علي، وسعيد بن أبي وقاص، وابن عمر رضي الله عنهم، ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة، والجواب عن قصة هرقل أن ذلك الكتاب كان فيه آية، ولا يسمى مصحفاً، وأبيح حمل الصبيان الألواح للضرورة، وأبيحت القراءة8 للحاجة وعسر الوضوء لها كل وقت، وحمله في المتاع لأنه غير مقصود، وبالله التوفيق).9
.
.
ثبتنا الله وإياك على القول الثابت في الدنيا والأخرة
دمتم في سعادة من الباري جل جلاله
وشكرا
.
.
.
.
إهـــــداء
جوهرة نفيسة
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم