الغربة
موضوع كبير ومتشعب
فيها الجميل وفيها المر
لقد غير ت الغربة في الكثير الكثير
والحمد لله تغيرات إيجابية
وإن كانت لاتخلو الغربة من الآثار السلبية
من الأشياء التي غيرتها الغربة هي شخصيتي
أصبحت أقوى وأكثر ثقة
عندما كنت في بلدي كنت إذا خرجت إلى الشارع أو السوق لابد لي من التمسك بوالدتي أو والدي
أما الآن أصبحت اخرج وحدي مع طفلي
لتسوق والذهاب إلى أماكن ترفيه يلعب بها ابني أو حتى لأتسوق أغراض المنزل
كنت إذا مرضت فلا أغادر سريري
الآن أصبحت تحت ضغط الآلأم أقوم بكل مسؤولياتي فلا أحد بجانبي لأتكل عليه
أعاني الكثير من المشاكل بسبب اللغة
فالألمان هنا يظهرون لك ضيقهم من عدم إتقانك للغتهم
لكن بعد أكثر من تجربة وقعت فيها بدأت عندما أود السؤال عن شيء أقول لهم أني مازلت اتعلم اللغة
فأصبحوا أكثر لطافة وابتسامة معي
والحمد لله بعد دخولي المعهد تحسنت لغتي كثيرا وأصبحت أكثر جرأة في الحديث
الغربة جعلت علاقتي مع زوجي أمتن وأوثق
استطعنا ان نضع سوية خطة وبنود اساسية تمشي عليها حياتنا دون التدخل من أحد
الغربة ابعدتني عن القيل والقال وكثرة السؤال المنتشرة في مجتمعاتنا
وعلمتني أيضا كيف أرد على من يخطئ في حقي وكيف لاأسكت عن حقي
فمثلا هذه السنة عندما كنت مسافرة مع أمي ظهرت مشكلة لأمي في جوازها والخطأ من الجوازات
فعندما سالتهم أمي مالحل قالوا لها عودي واجلي سفرك
طبعا كان من المستحيل عودت امي فحقائبها صارت في الطائرة
وهي مريضة تحتاج لأدوية وأدويتها كلها في الحقائب
غير ذلك كانت هناك ظروف لابد لأمي أن تسافر في هذا اليوم
غضبت من إجابتهم ولم أسكت
بدأت احاول وأحاول وأقول لهم خطاكم وأنتم المسؤولون ولابد من إصلاحه الآن ولن اغادر دون أمي
يقولون الأمر ليس بيدنا
وغيرها من الحجج لكني لم أخف ولم أيأس
قالوا لم يعد هناك وقت الطائرة ستقلع بعد ربع ساعة
فقلت لهم فلتتأخر عشر ساعات وماالمشكلة
الأسبوع الماضي تأخرت طائرة أختي عن الإقلاع ست ساعات وقفت على طيارتنا اليوم تطير على الوقت
ومن شدة تصميمي ومناقشتي معهم همس احد الضباط لأمي قائلا
ابنتك لن تخرج إلا قدمها على قدمك الله يخليها لك قوية ولا تسكت عن الظلم
نعم هذا ماقاله الضابط لأمي
والحمد لله بالفعل تأخرت الطائرة نص ساعة ولكن في النهاية ركبت أمي
هذه القوة بالحق تعلمتها من غربتي فأنا سابقا مهما كان الحق معي كنت أسكت وادع الناس تظلمني
وكم كانت فرحتي غامرة عندما أمي تنظر لي وتقول الله يرضى عليك ماذا كنت سافعل لو لم تكوني معي
طبعا بعد الله عزوجل
لولا الله ثم وقفتي مع امي لكان تأجل سفرها أسبوعين على الأقل
نعم اخي السائل الغربة تقوي
وعلى كثر الصدمات التي نتلقاها هناك نقوى أكثر ونصلب أكثر
طبعا غير أن الغربة تجعلك تتعرف على ثقافة بلد جديد ولغته
وتتعرف عن قرب أكثر عن الشعب الأوروبي الذي تخدعنا مظاهرهم في كثير من الأحيان
هذه إيجابيات غربتي
أما سلبياتها هي عدم وجود روابط إجتماعية
الوحدة
يعني عندما كنت حامل كان حملي صعب جدا جدا جدا
كنت أجلس ثلاث ايام دون طعام بسبب الوحم
تصور اخي كنت لاأتحرك من فراشي سوى للصلاة
وكان زوجي يضطر أحيانا للذهاب للعمل 12 ساعة
تصور جلستي لوحدي في منزلي لاأقوى على الحراك لمدة 12 ساعة
لا أحد يتصل لاأحد يأتي لزيارتي خصوصا أني كنت في بداية غربتي
حتى عندما كنت أدخل المستشفى كنت أتعذب بسبب اللغة
فليس جميع الممرضات يتفهمن أني جديدة وأني لاأتقن اللغة
استمر حالي هكذا ثمن شهور وكآبتي فظيعة ومرضي أشد
وعند دخولي للشهر التاسع الحمد لله كانت والدتي عندي
والحمد لله على كل حال
لكن مسألة الوحدة نستطيع التغلب عليها بالتعرف على العوائل العربية الموجودة في المدينة التي نسكنها
وهذا مافعلته بعد ولادتي والحمد لله
طبعا لاأنسى أن أقول أن الشوق للاهل هذا كفيل لأن يجعل للغربة مرارة لاحدود لها
لكني احمد الله الذي عوضني بزوج متفهم يعوضني عن هذا الأمر
أما أهم الآثار السيئة في نظري عن غربتي هي الدين
تأثر ديني في غربتي
أفتقد للجو الديني الذي تربيت عليه
أفتقد للكتب التي كنت أقرأها
مازلت في محاولات حتى اعود كما كنت سابقا
والحمد لله أجد نفسي أتحسن قليلا يوما بعد يوم
مثلا عندما كنت في بلدي كنت أتواعد مع صديقتي لنوقظ بعضنا لقيام الليل
كنا نتسابق على قرآئة القرآن
كنت وأختي أحيانا نتسابق على التفسير آيات
أو حتى القرآئة عن تاريخ دولة معينة
هذه الثقافات وهذه المنافسات افتقدها هنا
أحاول أن أقوم بها بمفردي لكن عنصر التشجيع وعامل المنافسة الشريفة مفقود عندي
بالنسبة هل إذا كان عندي ابن أو ابنة أدعهم يتغربون
انا ضد الغربة لما قد سمعت من قصص عن الشباب اللذين ضاعوا هنا
مثلا قص لي زوجي عن فتى في بداية العشرينات جاء إلى هنا ماشاء الله حافظ لكتاب الله
وكان مؤذن للمسجد عندهم
التف على شباب السوء وأخذوه معهم على الديسكو
وكما هو معروف عن هذه الاماكن من فساد وسوء
سكر هذا الشاب وقام وهو سكران ووقف على الطاولة وبدأ يؤذن وهو سكران
نسأل الله العفو والعافية
كم اثرت فيني هذه القصة
لاتصدق أخي إن قلت لك أني ظللت يومين أفكر بهذا الشاب وكيف أنه ضاع
وكيف كان وكيف صار
منذ سماعي لهذه القصة وأنا اصبحت أكره الغربة أكثر وأكثر وبإذن الله لن أدع ابني أو ابنتي يتغربوا
لكن هذه القصة لا تنفي أن هناك شباب وفتيات ماشاء الله عليهم
ولدوا وتربوا هنا وتراهم ملتزمين ومثقفين دينيا وكأنهم في دول عربية
أسأل الله أن يحفظ شباب وبنات المسلمين
هذا كل مالدي عن الغربة بحلوها ومرها
وأتمنى لو أنكم تدعون لي بتخرج زوجي وعودتي لبلدي في القريب العاجل
دمتم جميعا بحفظ الرحمن
تحياتي
__________________
ياسوريا سامحينا *** والله حقك علينا