القصة الثانية
اللحظة السحرية
drawGradient()
كنت قد نويت أن أكتب لك منذ زمن بعيد, لكن ظروفي حالت دون ذلك, والآن فإني أشعر بأنه قد آن الأوان لكي أطلع; أنت وقراء هذا الباب علي تجربتي مع الحياة. فأنا سيدة في الثامنة والثلاثين من العمر نشأت في أسرة ميسورة الحال وعشت في كنفها حياة هادئةإلي أن تخرجت في الجامعة.. وعقب التخرج التحقت بعمل ممتاز يدر علي دخلا كبيرا..وأحببت عملي كثيرا وأعطيته كل اهتمامي, وتقدمت فيه سريعا حتي تخطيت كثيرين من زملائي. وكنت خلال مرحلة الجامعة قد ارتديت الحجاب بإرادتي وأختياي, وبدأالخطاب يتقدمون إلي, لكنني لم أجد في أحدهم مايدفعني للارتباط به, ثم جرفني العمل والانشغال به عن كل شيء آخر حتي بلغت سن الرابعة والثلاثين وبدأت أعاني النظرات المتسائلة عن سبب عدم زواجي حتي هذه السن. وتقدم لي شاب من معارفنا يكبرني بعامين.. وكان قد أقام عقب تخرجه عدة مشروعات صغيرة باءت كلها بالفشل..ولم يحقق أي نجاح مادي, وكان بالنسبة لي محدود الدخل, لكني تجاوزت عن هذه النقطة ورضيت به وقررت أنني بدخلي الخاص سوف أعوض كل مايعجز هو بإمكاناته المحدودةعنه.. وستكون لنا حياة ميسورة بإذن الله. وقد ساعدني علي اتخاذ هذا القرار أنني كنت قد بدأت أحبه.. وأنه قد أيقظ مارد الحب النائم في أعماقي والذي شغلت عنه طيلةالسنوات الماضية بطموحي في العمل, كما أنه كان من هؤلاء البشر الذين يجيدون حلوالكلام, وقد روي بكلامه العذب ظمأ حياتي. وبدأنا نعد لعقد القران وطلب مني خطيبي صورة من بطاقتي الشخصية ليستعين بها في ترتيب القران.. ولم أفهم في ذلك الوقت مدي حاجته لهذه الصورة لكني أعطيتها له.وفي اليوم التالي فوجئت بوالدته تتصل بي تليفونيا وتطلب مني بلهجة مقتضبة مقابلتها علي الفور.. وتوجست خيفة من لهجتها المتجهمة, وأسرعت إلي مقابلتها. فإذا بها تخرج لي صورة بطاقتي الشخصية وتسألني هل تاريخ ميلادي المدون بها صحيح ؟ وأجبتها بالإيجاب وأنا أزدادتوجسا وقلقا, ففوجئت بها تقول لي: إذن فإن عمرك يقترب الآن من الأربعين.وابتلعت ريقي بصعوبة ثم قلت لها بصوت خفيض إن عمري34 عاما.فقالت إنالأمر لا يختلف كثيرا لأن الفتاة بعد سن الثلاثين تقل خصوبتها كثيرا وهي تريد أنتري أحفادا لها من ابنها.. لا أن تراه هو يطوف بزوجته علي الأطباء جريا وراءالأمل المستحيل في الإنجاب منها.ولم أجد ماأقوله لها لكني شعرت بغصة شديدة في حلقي.., وانتهت المقابلة وعدت إلي بيتي مكتئبة.. ومنذ تلك اللحظة لم تهدأوالدة خطيبي حتي تم فسخ الخطبة بيني وبينه وأصابني ذلك بصدمة شديدة لأنني كنت قدأحببت خطيبي وتعلقت بأمل السعادة معه.. لكنه لم ينقطع عني بالرغم من فسخ الخطبة, وراح يعدني بأنه سيبذل كل جهده لإقناع والدته بالموافقة علي زواجنا..واستمر يتصل بي لمدة عام كامل دون أي جديد.. ووجدت أنني في حاجة إلي وقفة مع النفس ومراجعة الموقف كله.. وانتهيت من ذلك إلي قرار ألا أمتهن نفسي أكثر من ذلك وأن أقطع هذه العلاقة نهائيا.. وفعلت ذلك ورفضت الرد علي اتصالات خطيبي السابق.ومرت ستة أشهر عصيبة من حياتي.. ثم أتيحت لي فرصة السفر لأداء العمرة,فسافرت لكي أغسل أحزاني في بيت الله الحرام.. وأديت مناسك العمرة.. ولذت بالبيت العتيق وبكيت طويلا ودعوت الله أن يهييء لي من أمري رشدا, وفي أحد الأيام كنت أصلي في الحرم وانتهيت من صلاتي وجلست أتأمل الحياة في سكون فوجدت سيدة إلي جواريتقرأ في مصحفها بصوت جميل.. وسمعتها تردد الآية الكريمة وكان فضل الله عليك عظيمافوجدت دموعي تسيل رغما عني بغزارة, وألتفت إلي هذه السيدة وجذبتني إليها, وراحتتربت علي ظهري بحنان وهي تقرأ لي سورة الضحي إلي أن بلغت الآية الكريمة ولسوف يعطيكربك فترضي فخيل إلي أنني أسمعها لأول مرة في حياتي مع أني قد رددتها مرارا من قبلفي صلاتي.. وهدأت نفسي, وسألتني السيدة الطيبة عن سبب بكائي فرويت لها كل شيءبلا حرج, فقالت ان الله قد يجعل بين كل عسرين يسرا, وإنني الآن في العسر الذيسوف يليه يسر بإذن الله.. وان ماحدث لي كان فضلا من الله لأن في كل بلية نعمةخفية كما يقول العارفون, وشكرنا بشدة علي كلماتها الطيبة ودعوت لها بالستر في الدنيا وفي الآخرة, وغادرت الحرم عائدة إلي فندقي وأنا أحسن حالا وانتهت فترةالعمرة وجاء موعد الرحيل, وركبت الطائرة عائدة إلي القاهرة فجاءت جلستي إلي جوارشاب هاديء الملامح وسمح الوجه, وتبادلنا كلمات التعارف التقليدية.. فوجدتني أستريح إليه واتصل الحديث بيننا طوال الرحلة إلي ان وصلنا إلي القاهرة وانصرف كلمنا إلي حال سبيله, وأنهيت إجراءاتي في المطار, وخرجت فوجدت زوج أقرب صديقاتي إلي في صالة الانتظار فهنأني بسلامة العودة وسألته عما جاء به للمطار فأجابني بأنهفي انتظار صديق عائد علي نفس الطائرة التي جئت بها. ولم تمض لحظات إلا وجاء هذاالصديق فإذا به هو نفسه جاري في مقاعد الطائرة وتبادلنا التحية, ثم غادرت المكانبصحبة والدي.. وماأن وصلت إلي البيت وبدلت ملابسي واسترحت بعض الوقت حتي وجدت زوجصديقتي يتصل بي ويقول لي إن صديقه معجب بي بشدة ويرغب في أن يراني في بيت صديقتي فينفس الليلة لأن خير البر عاجله, ثم يسهب بعد ذلك في مدح صديقه والإشادة بفضائله ويقول لي عنه أنه رجل أعمال شاب من أسرة معروفة وعلي خلق ودين ولا يتمني لي من هوأفضل منه لكي يرشحه للارتباط بي.وخفق قلبي لهذه المفاجأة غير المتوقعة..واستشرت أبي فيما قاله زوج صديقتي فشجعني علي زيارة صديقتي لعل الله جاعل ليفرجا.وزرت صديقتي وزوجها والتقيت بجاري في الطائرة واستكملنا التعارف وتبادلنا الإعجاب.. ولم تمض أيام أخري حتي كان قد تقدم لي.. ولم يمض شهر ونصفالشهر بعد هذا اللقاء حتي كنا قد تزوجنا وقلبي يخفق بالأمل في السعادة, وحديث السيدة الفاضلة في الحرم عن اليسر بعد العسر يتردد في أعماقي. وبدأت حياتي الزوجية متفائلة وسعيدة ووجدت في زوجي كل ماتمنيته لنفسي في الرجل الذي أسكن إليهمن حب وحنان وكرم وبر بأهله وأهلي, غير أن الشهور مضت ولم تظهر علي أية علامات الحمل, وشعرت بالقلق خاصة أنني كنت قبد تجاوزت السادسة والثلاثين وطلبت من زوجيأن أجري بعض التحاليل والفحوص خوفا من ألا أستطيع الإنجاب, فضمني إلي صدره وقاللي بحنان غامر إنه لا يهمه من الدنيا سواي.. وإنه ليس مهتما بالإنجاب, لأنه لايتحمل صخب الأطفال وعناءهم, لكني أصررت علي مطلبي.. وذهبنا إلي طبيب كبيرلأمراض النساء وطلب مني إجراء بعض التحاليل, وجاء موعد تسلم نتيجة أول تحليل منهاففوجئت به يقول لي إنه لا داعي لإجراء بقيتها لأنه مبروك يامدام.. أنت حامل!فلا تسل عن فرحتي وفرحة زوجي بهذا النبأ السعيد..وغادرت عيادة الطبيب وأناأشد علي يده شاكرة له بحرارة.وفي ذلك الوقت كان زوجي يستعد للسفر لأداءفريضة الحج, فطلبت منه أن يصطحبني معه لأداء الفريضة وأداء واجب الشكر لمن أنعم علي بهذه النعم الجليلة, ورفض زوجي ذلك بشدة وكذلك طبيبي المعالج لأنني في شهورالحمل الأولي.. لكني أصررت علي مطلبي وقلت لهما ان من خلق هذا الجنين في أحشائيعلي غير توقع قادر علي أن يحفظه من كل سوء, واستجاب زوجي لرغبتي بعد استشارةالطبيب واتخاذ بعض الاحتياطات الضرورية وسافرنا للحج وعدت وأنا أفضل مما كنت قبلالسفر..ومضت بقية شهور الحمل في سلام وإن كنت قد عانيت معاناة زائدة بسببكبر سني, وحرصت خلال الحمل علي ألا أعرف نوع الجنين لأن كل مايأتيني به ربي خيروفضل منه, وكلما شكوت لطبيبي من إحساسي بكبر حجم بطني عن المعتاد فسره لي بأنهيرجع إلي تأخري في الحمل إلي سن السادسة والثلاثين. ثم جاءت اللحظة السحريةالمنتظرة وتمت الولادة وبعد أن أفقت دخل علي الطبيب وسألني باسما عن نوع المولودالذي تمنيته لنفسي فأجبته بأنني تمنيت من الله مولودا فقط ولا يهمني نوعه..ففوجئت به يقول لي: إذن مارأيك في أن يكون لديك الحسن والحسين وفاطمة!ولمأفهم شيئا وسألته عما يقصده بذلك فإذا به يقول لي وهو يطالبني بالهدوء والتحكم فيأعصابي إن الله سبحانه وتعالي قد من علي بثلاثة أطفال, وكأن الله سبحانه وتعاليقد أراد لي أن أنجب خلفة العمر كلها دفعة واحدة رحمة مني بي لكبر سني, وأنه كانيعلم منذ فترة بأنني حامل في توءم لكنه لم يشأ أن يبلغني بذلك لكيلا تتوتر أعصابيخلال شهور الحمل ويزداد خوفي. ولم أسمع بقية كلامه فلقد انفجرت في حالة هستيريةمن الضحك والبكاء وترديد عبارات الحمد والشكر لله.. وتذكرت سيدة الحرم الشريف..والآية الكريمة.. ولسوف يعطيك ربك فترضي.. وهتفت إن الحمد لله.. الذي أرضاني وأسبغ علي أكثر مما حلمت به من نعمته.أما زوجي الذي كان يزعم لي أنه لايتحمل صخب الأطفال وعناءهم لكي يهون علي همي بأمري فلقد كاد يفقد رشده حين رأيأطفاله الثلاثة وراح يهذي بكلمات الحمد والشكر لذي الجلال والإكرام حتي خشيت عليهمن الانفعال. وأصبح من هذه اللحظة لا يطيق أن يغيب نظره عنهم.وإنني أكتب إليك رسالتي هذه من أحد الشواطيء, حيث نقضي إجازة سعيدة أنا وزوجي وأطفالي,ولكي أرجوك أن توجه رسالتي هذه إلي كل فتاة تأخر بها سن الزواج أو سيدة تأخر عنهاالإنجاب وتطالبهن بألا يقنطن من رحمة الله.. وألا يقطعن الرجاء في الخالق العظيموألا يمللن سؤاله والدعاء إليه أن يحقق إليهن آمالهن في الحياة, فلقد كنت أردددائما دعائي المفضل: ربي إن لم أكن أهلا لبلوغ رحمتك, فرحمتك أهل لأن تبلغنيلأنها قد وسعت كل شيء.وأخيرا فإني أسألك وقراءك صالح الدعاء لي ولزوجيالحنون ولأطفالي والسلام عليكم ورحمة الله تعالي