المخابرات السورية و العصابات السلفية!
لاشك أن ما يحدث في سورية من حراك سياسي وإجتماعي وجماهيري عارم هو أمر غير مسبوق في تاريخ نظام البعث السوري الذي شهد إنتفاضات جماهيرية عارمة خلال ستينات و ثمانينات القرن الماضي, و كانت متعلقة أساسا بالصراع على السلطة بين التيارات المتصارعة ضمن مؤسسة الحكم نفسها أو بين تلك المؤسسة القمعيةو المعارضة الشعبية التي كانت تتراوح بين أقصى اليسار الإشتراكي والجماعات الدينية, والتي بلغت الذروة مع أحداث مجزرة سجن تدمر الصحراوي العام 1980 والتي قتل خلالها المئات من المعتقلين بعد عملية إغتيال فاشلة ضد الرئيس السوري السابق ومؤسس السلالة الرئاسية الحاكمة حافظ الأسد, وهو الصراع الذي تصاعد بشكل دموي مرعب مع أحداث مدينة حماة في فبراير العام 1982, والذي راح ضحيته آلاف السوريين وترك جروحا لم تندمل في تاريخ الصراع الداخلي في الشام, وبما رسم ملامح نظام دموي مرعب لا يتورع عن إقتراف أبشع الجرائم لضمانبقائه , وقد سكت الرأي العام الدولي عنتلك الجرائم بسبب نظام الإستقطاب السياسي الكوني السائد وقتذاك والحماية التي كان يتمتع بها النظام السوري من المعسكر الشيوعي المنقرض, بإعتباره نظاما يصنف نفسه إشتراكيا, ويرتبط بمعاهدات خاصة وسرية جدا مع دول حلف وارسو السابق, إضافة الى طبيعة الصراع الإقليمي وقتذاك والحرب الشرسة التي كانت مشتعلة بين العراق وإيران والتي خلقت تكتلات ومصالح , وجريمة حماة تظل واحدة من كبريات الجرائم ضد الجنس البشري والتي هي معلقة برقبة النظام السوري, رغم أن الصراع الداخلي السوري, قد فرض نفسه فيما بعد على معسكر السلطة نفسها, وتم إبعاد ومطاردة أحد مرتكبي تلك الجريمة, وهو قائد سرايا الدفاع السابقة اللواء رفعت الأسد الذي ألصقت به وحده كل قذارات النظام السوري الإرهابية من دون أن ننسى أنه واحد من أهم الذين قام هذا النظام على أكتافهم خلال مسيرة الصراع الطويلة مع رفاق "البعث" الذين أودعوا السجون حتى الموت, كما حصل مع اللواء صلاح جديد ورفاقه. إنه نظام "مافيوزي" يأكل رؤوس قياداته العصابية المتصارعة ويفرز بين الفينة والأخرى قيادات إرهابية غارقة بالدماء ومتعطشة للنهب والسلطة , وقوة النظام الأساسية لا تكمن في الجيش الذي يبقى رغم ولاءات كبار الضباط له موضع شك لأنه يمثل الشعب بمختلف أطيافه وتوجهاته, ولأنه أساسا يحمل عقيدة قتالية موجهة للدفاع عن الشعب, وليس ضرب وإنتهاك وإغتصاب الشعب, وهو الأمر الذي حدث للأسف , ولكن القوة الأساسية للنظام تكمن في أجهزة المخابرات وفي الفروع المتعددة بقيادةالفرع القائد وهو فرع "القوة الجوية", الذي يقود عملية حماية السلطة ويصوغ كل ملامح وستراتيجيات السياسة الأمنية والاستخبارية في البلد الذي شهد خروقات استخبارية خطيرة كانت ذروتها تتمثل في الخروقات الإسرائيلية المتكررة, وفي مصرع القيادي في حزب الله اللبناني عماد مغنية أمام بوابة المخابرات العامة في كفر سوسة إضافة الى اغتيال قياديين استخباريين سوريين كالعميد محمد سليمان, وضرب المفاعل النووي السوري, وتجول الطائرات الإسرائيلية فوق قصر الرئيس السوري, وغيرها من الخروقات التي تعكس حجم التدهور الاستخباري السوري, وتضعضع آلة القمع الرئيسة التي يمتلكها النظام. المهم إن الإنتفاضة الجماهيرية العارمة التي تشهدها المدن والقصبات السورية الحالية شكلت مفاجأة حقيقية أكبر منالصدمة للنظام الذي أثبتت فروعه الاستخبارية خوائها وعجزها التام في إحتواء الموقف فضلا عن التنبؤ به مسبقا, وهو ما أضاف خيبات متصاعدة الى النظام الذي لا يعرف الإصلاح له سبيلا لأنه أصلا مصمم بشكل لا يمكن إصلاحه مطلقا. لقد إعتمد النظام كدأب شقيقه الراحل نظام "البعث" العراقي على الأدوات السرية وعلى"الشبيحة" وهم التنظيم الهلامي المشابه لتنظيمات "فدائيي صدام" أي أنهم عصابات سلطوية معدة ليوم الحشر المقبل للنظام مهمتها ترويع الآمنين وضرب الناس وإفهام الشعب بأن البديل عن سلطة الموت الحالية لنيكون سوى الخراب والتدمير الشامل! وهي السياسة الدفاعية المعروفة عن"البعثيين ! لذلك فإن حديث الداخلية السورية عن سلفيين وإرهابيين يثيرون كل هذه الضجة والفوضى هو حديث مضحك, ويؤكد على إفلاس النظام إفلاسا تاما ومرعبا, وبشكل فاق الخيال , لأنه لوكان هذا الكلام صحيحا وإن السلفيين يمتلكون كل هذه السطوة والسلطة في الشارع السوري,وهم من يحرك الجموع من درعا وحتى حلب مرورا بحمص وحماة والقامشلي ودير الزور وبانياس واللاذقية , فماذا كانت تفعل فروع المخابرات السورية إذن ? ولماذا لم تلتقط أي تحركات وتتحرك لإفشال الخطط السلفية المزعومة? إنها تبريرات واهية وسمجة لنظام كاذب ومدمن على الكذب , فأسهل وسيلة لقمع الجماهير وإرتكاب مجازر هو إتهامها بالسلفية والإرهاب كمبرر لمجازر مقبلة بحجة ضرب الإرهاب! وهي تبريرات فاشلة بالمرة, فأين المخابرات السورية وتنبؤاتها وهي التي تهيمن على أنفاس الناس في الشام وتحصي حتى عدد الذباب الداخل لسورية ? بصراحة لقد إستطاع التحرك الشعبي السوري الشامل المتخلص من أطر الطائفية والمناطقية أن يظهر عورة النظام بالكامل , ولن تستطيع كل مجازر النظام المعدة سلفا ولا إتهاماته المثيرة للسخرية أن تحرف الوقائع, أو أن تمنع نجاح الثورة الشعبية السورية العظيمة التي ستقلب الأوضاع رأسا على عقب في الشرق الأوسط, محاكمات مجرمي النظام السوري المقبلة ستكون أكبر عرض شعبي رائع في التاريخ العربي المعاصر وحيثسيكون إرهابيو مخابرات ذلك النظام أمثولة تاريخية وعبرة لمن أعتبر سيحقق الشعب السوري الحر بدماء شبابه واحدة من أعظم الثورات العربية فتأملوا وتابعوا إنتصار الدم السوري على السيف الاستخباري.