منتدى عالم الأسرة والمجتمع - عرض مشاركة واحدة - مسـافرة مع القرآن ’’’
عرض مشاركة واحدة
قديم 13-12-2013, 06:01 AM
  #188
*سر الحياة*
كبار شخصيات المنتدى
تاريخ التسجيل: Jun 2013
المشاركات: 13,758
*سر الحياة* غير متصل  
رد : مسـافرة مع القرآن ’’’

هذه رسالة كانت لي و لمن أُصيب بنكسات أثناء حفظه وضعف الهمة ووسواس من الشيطان..
أشحذت همتي من يوم قرآتي لرد الشيخ حفظه الله وكثّر الله من أمثاله ..



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد.

ولتعلمي أنك في ظلال القرآن وكنفه في نعمة عظيمة جدا، حرم منها كثيرون، فأنت من أهل الله وخاصته -إن شاء الله-، وأنت من خير الناس، كما وردت بذلك النصوص التي تعلمين، وذلك شرف أيّ شرف، وأُنس أيّ أنس، وسعادة أي سعادة!، فأي وقت تقضينه مع كتاب الله -تعالى- في حفظ أو مراجعة أو تلاوة أو تدبر أو غيره، فهو وقت لله -تعالى- تؤجرين عليه بحسب عدد الحروف، والله ذو الفضل العظيم، يضاعف الحسنات، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ حتى لو لم تدركي مرادك من حفظ أو مراجعة أو غيره، فإنك تقرئين كلام ربك، والله –جل شأنه- يخاطبك، فالحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا.
ثم –أيتها الأخت المباركة- إنني اطلعت في ثنايا حروفك على طريقة للحفظ تستخدمينها، وأشير عليك باستشارة من سبقك في هذا المجال من حافظات لكتاب الله ومعلمات للقرآن الكريم متقنات، فاستشارة السابقين تختصر عليك وقتا كثيرا.
وبعد..

فقد ركزت –أيتها الفاضلة- على نسيانك لحفظ كتاب الله وعلى صعوبة الحفظ بالنسبة للسابق، وما تشتكين منه، هو نفسه ما اشتكيت منه أنا، وهو نفسه ما اشتكى منه كل من عالج حفظ كتاب الله، وهو من البلاء، ودواؤه الصبر والمصابرة، وعلاجه الاستمرار والتكرار، ولعل سبب ذلك –والله أعلم- لنكثر من تلاوة القرآن، وليترسخ في نفوسنا ودواخلنا.

ثم إن هموم الحياة ومشغلاتها مؤثر كبير على جودة الحفظ والمراجعة، فالذهن الخالي المتفرغ للحفظ يختلف عن ذهن مشغول بأي أمر آخر، سواء كان هذا الأمر من أمور الدين أو الدنيا أو من أكدار الحياة، كما أن حفظ طفل لم يبلغ الحلم قد يكون أرسخ ممن راهق، وحفظ شاب صغير قد بلغ الحلم حديثا، أهون من حفظ من جاوز العشرين، وحفظ من جاوز الثلاثين أثقل من حفظ من دونها وأهون ممن بعدها، وهكذا، فمشاغل الحياة لها أثر في ذلك، وأيضا فإن ملكة الحفظ قد تشيخ، ما لم يتم تدريبها.
فالمقصد أن أسباب ضعف الحفظ كثيرة، ومنها المعاصي، كما ذكر الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور... ونور الله لا يهدى لعاصي
والمعاصي بحد ذاتها مشغلة للقلب عن الطاعات، والنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

ولهذا كله، فعليك وعلى كل من رام حفظ كتاب المولى –جل وعلا- أن يجاهد نفسه، ويصبر ويصابر ويجتهد ويحاول الكَرَّة بعد الكَرَّة، حتى يبلغ مرامه ومناه، وهو مع ذلك مأجور كلما تلا كتاب الله، وكلما جاهد نفسه، وكلما صبر وصابر، وكما تكدر خاطره في سبيل ذلك، وكلما وجد معاناة، وكلما قلب صفحات المصحف، وكلما تدبر كلام ربه، وكلما دمعت عيناه، ثم هو يوم القيامة يجد أجر ذلك موفورا عند ربه في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها عند رب لا يظلم مثقال ذرة، رغم أن أيام الصبر ستنسى، ولن يبقى منها إلا الذكرى الجميلة، أحصاه الله ونسوه، وسيأتي اليوم الذي تقولين فيه: (إنا كنا في أهلنا مشفقين، فمنَّ الله علينا ووقانا عذاب السموم) فالحمد لله على كبير فضله ونعمه التي لا نحصيها، ولا نحصي ثناء على المتفضل بها –سبحانه-.
وأما الوساوس الشيطانية التي تذكرين، فإنه ما من إنسان إلا وتعتريه تلك الوساوس، ويجتهد الشيطان ليصد المؤمن عن طاعته بكافة السبل التي يقدر عليها، ولو استرسلنا مع وساوس الشيطان لشطَّ بنا بعيدا، ولكن المؤمن الحصيف المتبصر بأموره يتنبه لذلك، فيقطعه أول ما يرده، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا يتلفت لتلك الوساوس، ولا يرسخها في ذهنه بكثرة عرضها على عقله، وإنما يتناساها وينساها، ويغفل ويعرض عنها، ولا يجعلها تقطع عليه عبادته وطاعته، وهل يريد الشيطان إلا ذلك؟! نسأل الله أن يخزيه ويكفينا شره، فإن امتدت الوساوس بالإنسان، ورأى أن نفسه ضعت عن مجاهدتها وتركها، وبدأت تفسد عليه عيشته، فلا بأس بزيارة طبيب موثوق دينا وصنعة، فإن له في طب النفس دواء إذا استفحل، وبلغ مبلغا لا تقدر عليه النفوس، وما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله.
ولتعلمي أن الفتور طبع بشري يمر بكل نفس، فمرة تبلغ عنان السماء حماسا وتوقدا وتحفزا، ومرة تخبو وتكبو، فتقترب من الأرض وتلامسها، لكن لا ينبغي أن تعيش في الوحل، أو تنزل لما دون ذلك، وعن ابن عمر –رضي الله عنهما- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن لكل عمل شِرَّة، ولكل شرة فَتْرة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك) صححه الألباني.
والمعنى أن حال الإنسان لا تستقيم على حال واحدة، وإنما تضعف أحيانا، لكنها لا تبقى في القاع، وتبقى في حدود ترك السنن، بل إن عصت فإنها سرعان ما تتوب وتؤوب، والمؤمن رجاع أواب، وقد مدح الله المؤمنين بقوله: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم...) فالمؤمن لم يوصف بأنه لا يعصي البتة، وإنما وصف أنه إذا عصى يتوب، فاجتهدي –يا بارك الله فيك- في التوبة النصوح، فإن خذلتك نفسك –أحيانا- فتوبي مرة أخرى، ولا تملي من كثرة التوبة، وكثرة الانطراح بين يدي ربك، فإن الله يحب التوابين ويفرح بتوبتهم، وأن تلقي ربك بذنوب تتوبين منها كلما اقترفتيها، خير من أن تلقيه بذنوب قد أصررت عليها.

وأنصحك –يا أختي المباركة- باتخاذ أعوان وأصحاب وأحباب يعينونك على طاعة ربك، وينشرون البهجة في نفسك، ويشاطرونك الهم، ويشعلون في نفسك النشاط والحماس، وهم كثير –بحمد الله- في مواطن العمل، وأماكن الدراسة والعلم، وفي الدور النسائية، والمعاهد التربوية والأكاديميات الخيرية وغيرها من مواطن الصالحات التي تعرفين.
ولا بأس أن تكون لك صاحبة أو صفية تتخذينها صديقة تعينك على حفظ كتاب الله وتشجعك وتحفزك.
وقد ورد عن بعض السلف قوله: (لولا ثلاث ما أحببت البقاء في الدنيا...) وذكر منها: (ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر)

سائلا المولى جل وعلا أن يرزقنا وإياك الإخلاص في القول والعمل، وأن يعيننا على أنفسنا والشيطان، وعلى إتباع القول العمل.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد

أسأل الله أن ينفع بهذه الرسالة كم نفعتني كثيراً والحمدلله ...
رد مع اقتباس