(4) فإذا حضر وقت إنبات الأسنان فينبغي أن تدلك لثاهم كل يوم بالزبد والسمن، ويمرخ العنق تمريخاً كثيراً، ويحذر عليهم كل الحذر- وقت نباتها حين تكاملها وقوتها- من الأشياء الصلبة، ويمنعون منها كل المنع لما في التمكن منها من تعريض الأسنان لفسادها وتعويجها وخللها.
(5) ولا ينبغي أن يشق على الأبوين بكاء الطفل وصراخه، ولا سيما لمص اللبن إذا جاع، فإنه ينتفع بذلك البكاء انتفاعاً عظيماً فإنه يروض أعضاءه ويوسع أمعاءه، ويفسح صدره، ويسخن دماغه ويحمي مزاجه، ويثير حرارته الغريزية، ويحرك الطبيعة لدفع ما فيها من الفضول، ويدفع من الدماغ المخاط وغيره.
(6) وينبغي أن لا يهمل أمر قماطه، ورباطه لو شق عليه إلى أن يصلب بدنه وتقوى أعضاؤه، ويجلس على الأرض، فحينئذ يمرن ويدرب على الحركة والقيام قليلاً إلى أن يصير له ملكة وقوة، يفعل ذلك بنفسه.
(7) وينبغي أن يوق الطفل من كل أمر يفزعه من الأصوات الشديدة الشنيعة والمناظر الفظيعة والحركات المزعجة، فإن ذلك ربما أدى إلى فساد قوته العاقلة لضعفها فلا ينتفع بها بعد كبره، فإذا عرض له عارض من ذلك فينبغي تلافيه بضده وإيناسه بما ينسيه إياه، وأن يلقم ثديه في الحال ويسارع إلى إرضاعه ليزول عنه حفظ ذلك المزعج، ولا يرتسم في الحافظة فيعسر زواله ويستعمل تمهيده بالحركة اللطيفة إلى أن ينام فينسى ذلك، ولا يهمل هذا الأمر، فإن إهماله إسكان الفزع والروع في قلبه فينشأ على ذلك ويعسر زواله ويتعذر.
(8) ويتغير حال المولود عند نبات أسنانه ويهيج به القيء والحميات وسوء الأخلاق، ولا سيما إذا كان نباتها في وقت الشتاء والبرد أو في وقت الصيف وشدة الحر، وأحمد أوقات نباتها الربيع والخريف، ووقت نباتها لسبعة أشهر، وقد تنبت في الخامس.
وقد تتأخر إلى العاشر، فينبغي التلطف في تدبيره وقت نباتها، وأن يكرر عليه الحمام وأن يغذه غذاء يسيراً، فلا يملأ بطنه من الطعام، وقد يعرض له انطلاق البطن (الإسهال) فيعصب بما يكفيه مثل عصابة صوف عليها كمون ناعم وكرفس وينسون وتدلك لثته بما تقدم، ومع هذا فإن انطلاق بطنه في ذلك الوقت خير له من اعتقاله، فإن كان بطنه معتقلاً عند نبات أسنانه فينبغي أن يبادر إلى تليين طبيعته، فلا شيء أنفع له من سهولتها باعتدال. وأحمد ما تلين به عسل مطبوخ يتخذ منه فتائل ويحمل بها، وحبق مسحوق معجون بعسل يتخذ منه فتائل، وينبغي للمرضع في ذلك الوقت تلطيف طعامها وشرابها وتجتنب الأغذية المضرة.
(9) فإذا حان موعد الفطام فتتخير الأم وقتاً معتدلاً في الحر أو البرد لتفطم فيه طفلها، وقد تكامل نبات أسنانه وأضراسه وقويت على تقطيع الغذاء وطحنه، ففطامه عند ذلك الوقت أجود له، ووقت الاعتدال، الخريف أنفع في الفطام من وقت الاعتدال الربيعى لأنه في الخريف يستقبل الشتاء، والهواء يبرد فيه، الحرارة الغريزية تنشأ فيه وتنمو والهضم يزداد قوة وكذلك لشهوة الطعام.
(10) وينبغي للمرضع إذا أرادت فطامه أن تفطمه على التدرج ولا تفاجئه الفطام وهلة واحدة، بل تعوده إياه وتمرنه عليه لمضرة الانتقال عن الإلف والعادة مرة واحدة.
(11) ومن سوء التدبير للأطفال أن يكثروا الامتلاء من الطعام وكثرة الأكل والشرب، ومن أنفع التدبير لهم أن يعطوا دون شبعهم ليجود هضمهم وتعتدل أخلاطهم، وتقل الفضول في أبدانهم، وتصح أجسادهم، وتقل أمراضهم لقلة الفضلات الغذائية. قال بعض الأطباء: وأنا أمدح قوماً لا يطعمون الطعام إلا دون شبعهم، ولذلك ترتفع قامتهم وتعتدل أجسامهم ويقل منها ما يعرض لغيرهم من الكزاز ووجع القلب وغير ذلك.
قال: فإن أحببت أن يكون الصبي حسن الجسد مستقيم القامة غير منحدب. فقط يترك كثرة الشبع، فإن الصبي إذا امتلأ وشبع فإنه يكثر النوم ويسترخي ويعرض له نفخة في بطنه ورياح غليظة.
(12) ومما ينبغي أن يحذر، أن يحمل الطفل على المشي قبل وقته، لما يعرض في أرجلهم بسبب ذلك من الانتقال والاعوجاج بسبب ضعفها وقبولها لذلك، واحذر كل الحذر أن تحبس عنه ما يحتاج إليه من قيء أو نوم أو طعام أو شراب أو عطاس أو بول أو إخراج دم، فإن لحبس ذلك عواقب رديئة في حق الطفل. ا هـ بتصرف ص 181.
بيان الطرق الرشيدة في تأديب الصبيان
(1) اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها، والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عود الخير وعلمه، نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه، وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً} [التحريم/ 6] ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى،وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ويحفظه من قرناء السوء.
(2)ولا يعوده التنعم ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد.
(3) ينبغي أن يراقبه من أول أمره فلا يستعمل لحضانته ولإرضاعه إلا امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال.
(4) ينبغي أن يحسن مراقبته، وإذا كان يحتشم ويستحي ويترك بعض الأفعال، فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه، وهذه بشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب، فالصبي المستحي لا ينبغي أن يهمل بل يستعان على تأديبه بحيائه وتمييزه.
(5) إن كان ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام، فينبغي أن يؤدب فيه مثل أن لا يأخذ إلا بيمينه وأن يقول بسم الله عنده، وأن يأكل مما يليه، وأن لا يغادر الطعام قبل غيره، وأن لا يحدق النظر إليه ولا إلى من يأكل وألا يسرع في الأكل، وأن يجيد المضغ وأن لا يوالي بين اللقم، ولا يلطخ يده ولا ثوبه، وأن يعود الخبز القفار في بعض الأوقات حتى لا يصير بحيث يرى الأدم حتماً، وأن يقبح عنده كثرة الأكل بأن يشبه كل من يكثر من الأكل بالبهائم.
(6) أن يحبب إليه من الثياب ما ليس بملون ولا حرير، وأن يحفظ عن الصبيان الذين عودوا التنعم والرفاهية. ولبس الثياب الفاخرة، وعن مخالطة كل من يسمعه ما يرغبه فيه.
إن في الاعتياد على التنعم خطراً رهيباً على الطفل وعلى مستقبل أمته، فإذا شب عليه كره العمل وخشي الجهاد، وأصبح عالة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التنعم بقوله: " إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين " [رواه أحمد وغيره وسنده حسن]
(7) إن الصبي مهما أهمل في ابتداء نشوئه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذاباً حسوداً سروقاً نماماً لحوحاً ذا فضول وضحك، وإنما يحفظ عن جميع ذلك بالتأديب ثم يشتغل في المكتب فيتعلم القرآن وأحاديث الأخبار، وحكايات الأبرار وأحوالهم لينغرس في نفسه حب الصالحين، ولا يحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله، فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان بذور الفساد.
(8) مهما ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمود فينبغي أن يكرم عليه ويجازى بما يفرح به، ويمدح بين أظهر الناس، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه، ولا يهتك ستره، ولا يكاشفه، ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر أحد على مكاشفته ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه، فإن أظهر ذلك عليه ربما يفيده جسارة، حتى لا يبالي بالمكاشفة عند زلة إن عاد ثانياً، فينبغي أن يعاقب سراً ويعظم الأمر فيه، ويقال له: إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا، ويطلع عليك فتفتضح بين الناس ولا يكثر بالعتاب في كل حين فإنه يهون عليه سماع الملامة، وركوب القبائح، ويسقط وقع الكلام من قلبه، وليكن الأب حافظاً هيئة الكلام معه فلا يوبخه إلا أحياناً والأم تخوفه بالأب وتزره عن القبائح.
(9) ينبغي أن يمنع عن النوم نهاراً فإنه يورث الكسل، ولا يمنع ليلاً، ولكن يمنع الفرش الوطيئة حتى تتصلب أعضائه، ويعود في بعض النهار المشي والحركة الرياضية حتى لا يغلب عليه الكسل.
(10) يمنع أن يفتخر على أقرانه، بل يعود التواضع والإكرام لكل من عاشره والتلطف في الكلام معهم.
(11) يمنع من أن يأخذ من الصبيان شيئاً بدا له، بل يعلم أن الرفعة في الإعطاء لا في الأخذ.
(12) ينبغي أن يعود أن لا يبصق في مجلسه ولا يتمخط، بل ولا يتثائب بحضرة غيره ولا يستدبر غيره ولا يضع رجلاً على رجل، ولا يضع كفه تحت ذقنه، ولا يعمد رأسه بساعده فإن ذلك دليل الكسل، ويعلم كيفية الجلوس ويمنع كثرة الكلام ويبين له أن ذلك يدل على الوقاحة، ويمنع اليمين رأساً صادقاً كان أو كاذباً حتى يعتاد ذلك في صغره. ويعود حسن الاستماع مهما تكلم غيره ممن هو أكبر منه سناً وأن يوسع له المكان، ويجلس بين يديه، ويمنع من لغو الكلام وفحشه، ومن اللعن والسب ومخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك، وأصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء.
(13) ينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من الكتاب أن يلعب لعباً جميلاً يستريح إليه من تعب المكتب فإن منع الصبي من اللعب وإرهاقه إلى التعلم دائماً يميت قلبه، ويبطل ذكاءه، وينغص عليه العيش حتى يطلب الحيلة للخلاص منه رأساً.
(14) ينبغي أن يعلم طاعة والديه ومعلمه ومؤدبه وكل من هو أكبر منه سناً من قريب وأجنبي وأن ينظر إليهم بعين الاحترام.
(15) مهما بلغ سن التمييز فينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة والصلاة،ويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان، ويعلم كل ما يحتاج إليه من حدود الشرع ويخوف من السرقة وأكل الحرام، ومن الخيانة والكذب والفحش. فإذا وقع نشؤه كذلك في الصبا فمهما قارب البلوغ أمكن أن يعرف أسرار هذه الأمور ا هـ بتصرف
منقول للفائدة