السلام عليكم،
من مقتضيات "اللطف"، حسن المعشر ورقة الطبع ولين الجانب والسهولة في الأمر كله. وعلى ذلك فأعتقد أن اللطف يرتبط اضطراداً مع توقد العاطفة. ونحن نسمع بأنّ فلاناً لطيف المعشر رقيق القلب جمّ العاطفة عذب الكلام، فهو حَسَنُ المعشر.
وإن كنتُ أتفق معك بأننا نعاني من تصحر العاطفة وتقحّل النفس واضمحلال اللين واغتلاظ القلب، لكننا لسنا لُطفاء. ربما كُنا "لبقين"، فالمدنيّة والتحضر تزيدان الكلام لباقةً، والتصرف لياقةً، والملبس أناقةً، والجسد رشاقةً، لكنها حتماً لاتزيد في المرءَ لطافةً أو عاطفةً. هذا إذا كنا نتفق على مفهوم "اللطف" في الأساس. ويبدو لي أنني اختلف معك في مفهوم "اللطف". فما تسميه أنت لُطفاً، أسميه أنا لباقةً ومعسول كلام.
التوغل في غياهب المدنيّة والعيشُ بين جبال الإسمنت والزجاج وتحت أسقف الجبس وأشعة الضوء الكهرومغناطيسية المنبعثة من مصابيح النيون والصوديوم، لا يجلب معه بالضرورة مزيداً من المودة والرحمة والكلمة الطيبة والمعاشرة بالمعروف بين الرجل وزوجه، وأظنّ أن المدنية تأتي بعكس ذلك تماماً! بل إن الواقع الملموس والخبرات البشرية المتراكمة عبر العصور تؤكّدان على أنّ التفوق الحضاري يجلب معه التفكك الأسري، وأظن أن التفكك الأسري ناشيء بالأساس عن غياب المودة والرحمة والكلمة الطيبة بين أفراد الأسرة، وخصوصاً، بين المرء وزوجه. وعلى ذلك فلا يجب أن نتعجب إذا رأينا البيوت تتهاوى كلما تقدمت المدنيّة.
وعلى الرغم من أنني اختلف معك في الكثير من الكلمات، كتعريف اللطف والحضارة والمدنية والرقة و "الجلنتلمانية"، إلا أنني أقرّ بشيئين هاهنا؛ فأولهما أن ذلك لا يُفسد لودنا قضية - إن شاء الله. وثانيهما أنني أتفق معك في أن الكثير من الرجال - أبناء الخليج تحديداً - يعانون مشاكل مزمنة في التحدث والتودد إلى نسائهم، وكلمة "نسائهم" يدخل تحت ردائها الزوجة والأم والأخت وذوي القُربى من النساء. لاحظ أنني قلتُ كثيرٌ من الرجال ولم أقل أكثر الرجال، حتى لا أقع في فخ التعميم الجائر الذي أفرّ منه دائماً.
أما لماذا؟ فالله أعلم. إنا وجدنا آباءنا على ملة وإنا على آثارهم مقتفون. يبدو لي أن هذه الأعراض من جفاف العاطفة وتصحر الأخلاق وبلادة الحس مع النساء جاءتنا بالوراثة. وما أكثر ما تلقفناه بالوراثة جيلاً بعد جيل دون تمحيص أو تدقيق.
قال لي صديقٌ حديث عهد بزواج أنه ملّ الحديث مع امرأته، وأنه لايكاد يجالسها إلا ساعة من نهار كل يومين أو ثلاثة، وأنه يذهب مع أصدقائه إلى الاستراحات لأنه يكره المنزل.
قلت وهل تنبسط أساريرك وتنفرج نفسك إذا التقيت صحبك؟ قال نعم.
قلتُ وفيم تتسامرون؟ قال في كل شيء يخطر ببالك، السفر والسياحة والرحلات والكُرة والرياضة والأطعمة والمطاعم والنساء وألوانهن وأشكالهنّ ومذاقهن. وربما انشغلنا بحفلة غنائية تُنقل على التلفاز، أو قام أحدهم يداعب أوتار عوده ويطربنا.
قلتُ وكم يمضي عليكم وأنتم في سمركم ولهوكم؟ قال ساعات تلو ساعات.
قلت سبحان الله، تقضي الساعات الطوال كل يوم برفقة صحبك مستأنساً مستمتعاً، ولا تجد ساعة متعة من نهار او ليل تقضيها مع زوجتك إلا لقضاء وطرك؟
شكراً جزيلاً للكاتب الكريم على هذا المقال الماتع.
دُمتم بخير،
عبدالله،،،