منتدى عالم الأسرة والمجتمع - عرض مشاركة واحدة - ملف شامل عن أمراض الأنف
عرض مشاركة واحدة
قديم 25-12-2006, 02:32 PM
  #9
saapna81
عضو متألق
 الصورة الرمزية saapna81
تاريخ التسجيل: Aug 2004
المشاركات: 5,688
saapna81 غير متصل  
بداية حل اللغز
يقوم عالم الأعصاب لوردس كاتز قبل بداية محاضرته في كلية الطب في جامعة ديوك في ولاية كارولينا الأمريكية بفتح قنينة تحتوي على مادة ذات رائحة لاذعة جدا . الكثير من طلابه يغادرون مقاعدهم نتيجة عدم تحملهم للرائحة ، بينما لا يتأثر كاتز لأنه لا يشم هذه الرائحة . تأتي مثل هذه الاختلافات في حاسة الشم من التباين في المستقبلات الشمية ، التي هي عبارة عن بروتينات موجودة على سطح الأعصاب الحسية التي تحدد طبيعة الرائحة الكيميائية المتطايرة التي تصل إلى مجارينا التنفسية . يوجد لدينا عدد كبير من هذه المستقبلات المميزة ، والتي من خلالها نستطيع تميز عدد كبير من الروائح والتي قد يصل عددها إلى 10000 نوع مختلف. لكن من دون فهم كامل لكيفية تشفير هذه المعلومات بواسطة المستقبلات الشمية .

يقول ستيوارت فيرستين ، عالم الأعصاب في جامعة كولومبيا في ولاية نيويورك الأمريكية : " يعتبر أنف الثديات افضل كشاف كيميائي في العالم ، ومازلنا إلى الآن لا نفهم كيف يعمل " . وفريق فيرستين كان أول من استطاع تحديد التفاعل الجزيئي بين مستقبل معين وجزيئات الرائحة.

وقد حدد العلماء عن طريق التجارب ، أن كل خلية حسية تحمل نوعا واحدا من المستقبلات . وتشفر هذه المستقبلات التي توجد في الثدييات فقط من قبل عائلة كبيرة من الجينات . فعلى سبيل المثال يمتلك الفأر ، الذي يمتاز بحاسة شم قوية جدا ، ما يقارب 1200 جين معظمها في حالة عمل. لكن عند الإنسان هناك حالة شبه معكوسة ، فقد حصلت طفرات في ثلثي جينات المستقبلات الشمية حولتها إلى جينات غير فعالة . وكما يبدو فأن هذه المستقبلات قد فقدت قدرتها على العمل منذ أسلافنا الأوائل نتيجة الطفرات التي حصلت ، كما هو الحال بالنسبة للقدرة البصرية الكاملة على رؤية الألوان . لكن بالرغم من ذلك فمن الصعب مقارنة انخفاض حاسة الشم مع حاسة البصر ، فمن السهولة تحديد الخلية الحسية التي تستجيب للأطوال الموجية للضوء في قرنية العين . فعبر عقود مضت ، استعمل علماء الأعصاب أجهزة تسجيل إلكتروظيفية Electrophysiological recording ، لتسجيل وتجميع وتحليل الاستجابات لنماذج بصرية معقدة .

لم يستطع الباحثون في مجال حاسة الشم البناء على مثل هذا الأساس الثابت ، فمادة عطرية مفردة يمكن أن تميز من قبل عدة مستقبلات شمية ، وكل مستقبل منها يمكنه تمييز عدة أنواع من الروائح . وهذا يعني أن تحديد أي راحة يتم تشفيره عبر مجموعة من الخلايا الحسية . لكن المشكلة الكبيرة تكمن في أن الشفرة لم تحل حتى الآن ، وقد تعرف علماء الشم إلى الآن على درزن واحد فقط من المستقبلات الشمية عند الثدييات . وبصراحة اكثر ، فأن الباحثين لم يتمكنوا من تحديد أي عصب حسي يحمل مستقبل واحد .

طرحت العديد من النظريات التي تحاول تفسير ذلك ، ومنها أن آلية العمل هنا تتضمن إعادة تنظيم باتجاه واحد ( غير عكسية ) للحامض الرايبي منقوص الاوكسجين DNA لجينات المستقبل الشمي ، بطريقة تشابه ما يحصل في خلايا بيتا المناعية B-cells في جهازنا المناعي حيث أنها تقطع وتلصق جيناتها لإنتاج نوع واحد فقط من الأجسام المناعية Antibodies . لكن دليل الإثبات كان ضعيفا لدعم ذلك ، بالإضافة إلى أن تقنية الاستنساخ قد محت هذه النظرية. فعند نسخ فأر من خلية بيتا مفردة ، فأن جهازه المناعي ولد نوع واحد فقط من الأجسام المناعية . بينما عند نسخ فأر من خلية شمية عصبية ناضجة ، فأن الفأر الناتج كان لديه تنوع في المستقبلات الشمية . وهذا أدى إلى طرح سؤال جديد وهو كيف يفعل العصب الشمي ذلك إذا لم يستطيع أن يعيد تنظيم جيناته لإنتاج مستقبل مفرد ؟ . وللإجابة عن هذا السؤال يقول راندال ريد من كلية جونز هوبكنز الطبية الجامعية في بالتيمور في ولاية ماريلاند ، الذي درس هذه المشكلة : " إنه لا يفعل ذلك ، فكل المستقبلات تتكون أولا ثم تتخصص بعمل واحد تدريجيا " . لكن الطفرات التي حصلت في جينات المستقبلات الشمية أدت إلى أن هذه الجينات ستبقى فعالة لكنها في الوقت نفسه لا تؤدي إلى إنتاج مستقبل فعال .

ومن خلال تجربة تم فيها عمل انتقال جيني في فأر يحمل جينات تشفر مستقبلات عاملة وأخرى غير عاملة ، لاحظ فريق العمل بقيادة راندل ريد وهيتوشي ساكانو من جامعة طوكيو ، انه في حال ملائمة العصب الحسي لهذا الجين ، فأنه يشفر المستقبل الفعال مباشرة ، ويترك المستقبل الآخر غير الفعال . وان مصير الخلية سيتحدد بذلك ، وسوف تعمل الخلية على إنتاج نفس المستقبل لما تبقى من عمر الخلية. لكن عملية ضمان عدم تحول هذه الجينات المتعددة في الخلايا، يبقى أمرا غير واضح . ربما بسبب أن الجينات يجب أن تتفاعل عشوائيا مع نوع من الجزيئات التي تتوفر بكمية قليلة .

لدى سانكو نظرية أخرى ، فهو يفترض أن جين المستقبل الشمي يحتاج إلى أن يتفاعل مع منطقة تمتد من الحامض الرايبي منقوص الاوكسجين DNA ، تعرف بمنطقة تحكم لوكوس Locus Control Region -LCR ، مكونة بعض البروزات على الكرموسوم نفسه . ويمكن لهذه المنطقة أن تلتف وتضم جينات الشم ، وهذا ما يحاول سانكو إثباته ، لكن ذلك يمكن أن يحصل لجين واحد في المرة الواحدة . أما بالنسبة لمجموعة من هذه الجينات ، فقد لاحظ سانكو أن اختفاء جزء صغير في منطقة تحكم لوكوس أطلق عليها تسمية الموقع هـ ( H ) ، سيؤدي إلى بقاء مجموعة الجينات هذه غير فعالة .

وبالرغم من كل هذه الاكتشافات ، إلا أن المعرفة الكاملة في كيفية إنتاج مستقبل فعال من قبل الخلايا الحسية المفردة سيبقى منطقة مظلمة لبعض الباحثين لتفسير كيف تقوم هذه الخلايا بالتعرف على الروائح . للمساعدة في كسر هذه الشفرة ، يجب على الباحثين أولا دراسة التفاعلات بين المستقبلات ومختلف الروائح لكل خلية مفردة . لكن من الصعب جدا تنمية وعزل هذه الخلايا عن محيطها ، وهذا ما ولد مشكلة كبيرة للباحثين الذين حاولوا اختراق شفرة الشم ، كما أن الخلايا المجاورة لها تحتوي على مستقبلات مختلفة .

إلا أن الحل البديل موجود أيضا ، فمن خلال الهندسة الجينية للخلايا سيتمكن العلماء من جعل هذه الخلايا اكثر قابلية للاستزراع في المختبر وحمل المستقبلات على سطوحها . لكن الجهود في هذا المجال أيضا تصاب بالإحباط بشكل دائم بسبب الفشل في نقل المستقبلات الشمية إلى الغلاف الخارجي للخلايا المهندسة جينيا . يحاول هيرواكي ماتسيونامي من جامعة ديوك إخراج هذه التجارب من عنق الزجاجة الذي وصلت إليه . ففي عمل غير منشور له ، يذكر فيه أن المستقبلات الشمية بحاجة إلى بعض المساعدة من أحد أنواع البروتينات لإيجاد طريقها إلى سطح الخلية ، فإذا أدخلت جينات المستقبل والجينات التي تشفر هذا البروتين معا إلى داخل الخلية ، فستجد هذه المستقبلات طريقها إلى السطح . بدأ ماتسيونامي باستعمال هذه الطريقة على الخلايا التي أطلق عليها اسم خلايا هانا Hana – مشتقا من التسمية اليابانية للأنف – لاكتشاف أي جزيئات الرائحة ستميز بواسطة المستقبلات المختلفة .

لكن هذه المهمة ليست بهذه البساطة ، فدليل جديد جاء من قبل فريق العمل بقيادة كازيوشيك توهارا من جامعة طوكيو ، يقترح أن بعض الروائح يمكنها أيضا إغلاق مستقبلات الشم ، بدلا من تنشيطها . هذا يعني أن تجاويف أنوفنا ستمثل ساحة معركة يتنافس فرسان الروائح مع بعضهم لتنشيط أو إغلاق مستقبلات الشم . وقد أدركت بعض معامل إنتاج العطور هذا المفهوم ، فعملت إلى إضافة جزيئات لمنتجاتها لتعزيز رائحتها . فعند إضافة بعض الروائح إلى خليط العطور ، فأن البعض سيلغي رائحة البعض الآخر أو سيغير رائحة الخليط التي نشمها . يقول ديفيد لانك ، عالم الأعصاب في جامعة جنوب ويلس في مدينة سيدني في استراليا : " لدينا قدرة وظيفية محددة تمكننا من التميز بين ثلاثة روائح في الوقت الواحد". بالإضافة إلى أن هناك أنواع من الروائح يمكن أن تكون قوية جدا بحيث تطغى على الروائح الأخرى أو حتى تلغي تأثيرها .

ومع هذا كله ، فأن العلماء يأملون في التمكن يوما ما من فك شفرة مستقبل الشم . تقول كارينا دننيس ، وهي صحفية من مجلة الطبيعة ، عن هذا الموضوع : " لو تمكن العلماء من فك شفرة مستقبل الشم ، فأن ولع علماء الأعصاب بحاسة الشم سيزداد ليصلوا إلى الموقع الذي وصل إليه زملائهم ممن درسوا حاسة البصر قبل عقود من الآن ، وسيمكنهم هذا من دراسة خلايا مختلفة من هذا النظام ، وربما يساعدهم على فهم كيفية تشفير المعلومات في المستقبلات وبمراحل أعلى بكثير مما هم عليه الآن " .
سيتساءل الكثير هل أن فقدان حاسة الشم أمر خطير؟. والإجابة ستكون نعم . لان ذلك يعتبر في بعض الأحيان أمرا مهلكا، على الرغم من كونه غير مؤذي بشكل كبير . لكن رغم ذلك تبقى حاسة الشم الإنذار الأول في الكثير من الحالات الطارئة كتسرب غاز سام أو في حالة وجود دخان صادر عن حريق . وفي بعض الأحيان يعتبر فقدان حاسة الشم دليل على الإصابة بمرض خطير كمرض الزهايمر أو أحد أنواع الأورام الخبيثة أو سوء تغذية أو حالة نفسية معينة . كما لوحظ أن فقدان حاسة الشم أدى إلى إصابة عدد كبير من المرضى بحالة اكتئاب . بالإضافة إلى فقدان حاسة الشم أدى إلى فقدان جزء كبير من حاسة التذوق التي تلاحظ عادة من قبل المرضى .
منقووووووول