الى محبة النبي ...
من أعظم الضمانات الوقائية التي وضعها الإسلام سياجًا واقيًا للمرأة المسلمة أولاً، ولأفراد المجتمع الإسلامي ثانيًا، أَن حرَّم الخلوة بين المرأة الأجنبية والرجل الأجنبي، حرَّم الاختلاط المستهتر بين الرجال والنساء، لأن الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل عميق في التكوين النفسي؛ لأن الله قد أناط به امتداد الحياة على ظهر الأرض لذا فهو ميل دائم لا ينقطع ولا ينتهي، والمرأة بطبيعتها فُطرت على الأنوثة والجمال، وحب الزينة، ليتم الانسجام بينها وبين زوجها كما أراد الله.
والإسلام لا يتنكر لتلك الفطرة التي فٌطِرت عليها المرأة ولم يعاكسها الإسلام في أنوثتها وحبها للزينة والجمال، ولكن الإسلام أحاطها بسياج من الوقاية لا كما يقول زعماء وعبيد المَدَنِيَّة السوداء: أنكم تخافون على نسائكم أكثر من خوف الغرب الملحد والكافر على نسائه، نقول ليس كذلك يا دعاة العربية والمدنية -تحت ستار التحرر والتطور الأسود- وإنما لأن المرأة في الإسلام هي دُرّةٌ مصونة، ولؤلؤة مكنونة، لا يريد الإسلام لها أن تعبث بها الأيدي الآثمة، ولا تمتد إليها النظرات السَامَّة.
فهي الأم، والأخت، والزوجة، والابنة، والعمة، والخالة، فهي في غاية من الصَّوْنِ والحفظ والعفاف. الإسلام ما أحاط المسلمة بهذه الضمانات إلا حماية لها وحرصًا عليها ابتداءً، ولأفراد مجتمعها المسلم الذي تعيش فيه انتهاءً، فالخلوة مُحَرَّمة بين الرجال والنساء، والاختلاط مُحَرَّمٌ في دين الله جل وعلا ونظرًا لأن هذا الموضوع طويل أيها الأحبة، فسوف أركز الحديث في عدة عناصر:
أولاً: خطورة الخلوة بالمرأة الأجنبية، والأدلة على تحريمها.
ثانيًا: صور من الخلوة المحرمة شرعًا.
ثالثًا: مأساة من الواقع، وعظة من القرآن.
رابعًا: خطورة الاختلاط، والأدلة على تحريمه.
خامسًا: صور من الاختلاط المحرم شرعًا.
سادسًا: مأساة من الواقع وصورة مشرقة من القرآن.
سابعًا: هل من مُدَّكِرْ ؟!!
فأعيروني القلوب والأسماع أيها الأحبة في الله.
أولا: خطورة الخلوة بالمرأة الأجنبية والأدلة على تحريمها
الخلوة هي: أن ينفرد الرجل بامرأة أجنبية عنه، في غيبة عن أعين الناس، هذه خلوة محرمة في دين الله، ولو كانت بين أصلح الرجال وأتقى النساء، فهي حرام في دين الله -جل وعلا- والأدلة على تحريمها كثيرة:
ففي البخاري ومسلم من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال : «لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامْرَأَةٍ، ولاَ تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إلا ومَعَهَا مَحْرَمٌ» فقام رَجُلٌ فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حَاجَّة، وإني اكْتُتِبْتُ في غزوة كذا وكذا قال: «اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ»([1]) هل تفلسف هذا الرجل وقال: يا رسول الله ... كيف أدع الجهاد في سبيل الله وأذهب لمرافقة زوجتي؟ أنا أثق في أخلاقها يا رسول الله!! أنا لا أشك في تربيتها يا رسول الله!! كيف تأمرني بهذا: فهي بنت بيت التُّقَى، والوَرَع، والدين، والالتزام؟!! كلا ... كلا ... فإن المرأة هي المرأة وإن الرجل هو الرجل، والمرأة تضعف أمام شهوتها وغريزتها، ولو كانت ذات شرف، ومنصب وجمال، إلا مَنْ عصم الكبير المتعال جل وعلا.
هذه هي مكانتك عندنا أيتها الأخت الكريمة الفاضلة، هذه هي مكانتك عندنا أيتها المسلمة الكريمة .. أنت دُرَّتُنَا المصونة ... أنت لؤلؤتنا المكنونة، التي حرص الإسلام على ألا تمتد إليك الأيدي العابثة، ولا أن تلوثك النظرات الآثمة ... بل أنت مُكَرَّمة في دين الله، وعزيزة في شرع رسول الله .
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه وقال حديث حسن صحيح، ورواه الحاكم في المستدرك وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الإمام الذهبي من حديث عامر بن ربيعة رضي الله عنه أنه قال: «ألاَ لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامرأةٍ لاَ تَحِلُّ لَه، فإن ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَان»([2])
وفي مسند الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنه قال: «مَنْ كَانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فَلاَ يَخْلُوَنَّ بامْرَأَةٍ لَيْسَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَان»، إن الشيطان شريك في هذا اللقاء، فيزين المرأة للرجل ولو كانت دميمة، وسيزين الرجل للمرأة ولو كان قبيحًا، وكثيرًا ما نرى رجلاً أعطاه الله امرأة حسناء جميلة، على خلق، وذات دين، وتراه قد ترك هذا الحسن وهذا الجمال الحلال، وذهب إلى امرأة قبيحة دميمة لا دين لها ولا خلق ليفعل بها الفاحشة!! ما هذا؟! إنه التزيين ... إن الشيطان قد زينها له وزينه لها.
كما قال في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي وقال: حديث حسن غريب قال : «إِذَا خَرَجَتْ المَرْأَةُ مِنْ بَيْتِهَا اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَان» إذا خرجت المرأة على غير شرع الله وعلى غير الضوابط التي وضعها رسول الله يستشرفها الشيطان، يزينها في قلوب الرجال ويزين الرجال في قلبها وربما تكون المرأة تقية نقية طاهرة وخرجت لحاجة من حوائجها الضرورية إلا أن الشيطان لا يدعها وإنما يزينها للرجال ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!
فما ظنك بعد ذلك بامرأة متبرجة متعطرة متزينة، ولذا حذر النبي تحذيرًا صريحًا واضحًا كما في حديث البخاري ومسلم من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : «إِيَّاكُم والدُّخُولَ علَى النِّسَاء»، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحَمْوَ؟ فقال : «الحَمْوُ المَوْتُ»([3]) وزاد مسلم قال الليث: الحمو أخو الزوج وأقاربه. إذا دخل أخوك على زوجتك فخلا بها فهي خلوة محرمة في دين الله، سترى كثيرًا من الناس يعجبون لهذا الكلام ويقولون: ما هذا التطرف الذي أنتم فيه؟! وهؤلاء نقول لهم: هذا كلام رسول الله ، ونسألكم هل أنتم أعلم بالناس من رب الناس؟! هل أنتم أعلم بطبائع البشر ممن لا ينطق عن الهوى ؟
الحمو هو: أخوك وأقاربك وأقارب الزوجة من غير المحارم لا يدخلون على زوجتك في غيبتك وإلا فالموت، وإلا فالهلاك، وإلا فالدمار بموعود رسول الله .
ربما لا تقع المعصية من أول مرة، والشيطان له خطوات، ولا تتبعوا خطوات الشيطان إن له مداخل يا عباد الله.
صور من الخلوة المحرمة شرعًا:
أولاً: من صور الخلوة المحرمة أن تفتح المرأة بيتها في غياب زوجها أو أحد محارمها إلى أصدقاء زوجها وإلى أقاربها من غير المحارم وإلى أقارب الزوج من غير المحارم. وقد لا تقع المصيبة أول مرة لأن للشيطان خطوات كما قال رب الأرض والسموات جل وعلا. فهذه خلوة مرحرمة في دين الله –عَزَّ وجَلَّ-.
ثانيًا: من صور الخلوة المحرمة
أن يخلو السائق بالمرأة في السيارة في غيبة عن أعين الناس وهذا مما ابتلي به كثير من المسلمين، ولا حول ولا قوة إلى بالله وربما كان السائق شابًا وسيمًا جميلاً يخلو بالمرأة في سيارة واحدة في بعض الطريق في غيبة عن أعين الناس ولا يعلم أحد طبيعة الحوار الذي يدور في السيارة إلا الذي يسمع ويرى.
ثالثًا: من صور الخلوة المحرمة:
أن يخلو الخطيب بخطيبته بحجة أن يتعرف كل منهما على أخلاق الآخر وبعد ذلك نندم يوم لا ينفع الندم ولا حول ولا قوة إلى بالله العلي العظيم.
رابعًا: من صور الخلوة المحرمة أن تذهب المرأة وحدها بغير محرم إلى الطبيب فيخلو الطبيب بها بحكم عمله فيكشف جسدها بحكم وظيفته وهي خلوة محرمة في دين الله.
إن اضطرت المرأة إلى الطب فلتذهب إلى طبيبة مسلمة فإن عجزت جاز لها أن تذهب إلى الطبيب مع محرم لها.
ومن أخطر صور الخلوة المحرمة: أن يخلو الخادم في البيت بالمرأة وحدها وأن يخلو الرجل بالخادمة في البيت وحده، وكم وقع من المآسي والمصائب بسبب ذلك، أن يخلو الخادم بالمرأة، وربما يكون الخادم شابًا وسيمًا جميلاً وربما يكون الزوج مسنًا، أو كبيرًا، أو دميمًا، أو هاجرًا لفراش زوجته، فتقع المصيبةلأن الكلفة ترفع على مدى الأيام والزمان، والرسول يخبر بأنه ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما.
أيها المسلمون أليست لنا في القرآن عظة؟!! أليست لنا في القرآن عبرة؟!! ألم يحكي القرآن قصة امرأة شريفة عزيزة وجيهة غنية جميلة مع يوسف عليه السلام! ألم يقص القرآن علينا قصة امرأة عزيز مصر مع خادم لها في البيت.
هي من هي، هي في غاية الشرف والجمال والمال والجاه والسلطان وهو من هو؟ هو عبد لها ليس خادمًا فحسب بل هو عبد لها وخادم عندها في بيتها يعيش معها في بيت واحد وتحت سقف واحد. ما الذي جرى؟ هكذا بإيجاز شديد وبدون مقدمات كما قال الله سبحانه: وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ [يوسف: 23]
هكذا بوضوح بصراحة بمنتهى المراوغة المكشوفة الجاهزة ] هَيْتَ لَكَ [ تقول لمن؟ لشاب في كامل فتوته، وكامل قوته، وكامل جماله وشبابه، بل وغَلَّقَتْ عليهما لا أقول باب واحد ولكن عدة أبواب ولكن يوسف كان قلبه موصولًا بالله جَلَّ وعَلاَ:
قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ أنَّى للقلوب الموصولة بالله أن يؤثر عليها الشيطان.
ألم يقل قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ولقد حكم الله ليوسف أنه من عباده المخلصين ... كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: 24].
الذي لا تأثير ولا سلطان للشيطان عليهم ولكن المرأة العنيدة التي ضعفت أمام شهوتها، وأمام غريزتها، لعبد من عبيدها، ولخادم من خدامها، تنتصر لكبريائها الذي وضعه يوسف في الوحل والطين والتراب، فينتشر الخبر، ويسري كسريان النار في الهشيم:وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: 30-31]
وكأن هذا الإعلان السافر من هؤلاء النسوة قد دفع المرأة لتعترف اعترافًا صريحًا، وأن تنتصر لكبريائها وشهوتها، انتصارًا متبجحًا: قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف: 32]
وهنا لم يعتر يوسف بعصمته وإنما اعترف بعجزه، وضعف بشريته، ولجأ إلى الله الحفيظ العليم جل وعلا: قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [يوسف: 33] لم تعد الدعوة من امرأة العزيز وحدها بل أصبحت الدعوة منهن جميعًا قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ لم يقل كيدها وإنما قال كَيدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ فماذا كانت النتيجة؟
فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ الذي يسمع ويرى، ويعلم القلوب التقية النقية، من القلوب الكاذبة المنافقة، إنه السميع العليم -سبحانه وتعالى- هذا نموذج وعظة من قرآن الله ومن كتاب الله الذي نقرأه في الليل والنهار.