أخبرت سارة خالد بما جرى، و امتعض خالد قليلا من قرار عمه لكنه لم يعد
يطيق تحمل شتات أسرته و لم يعد يطيق أيضا مشاكل أكثر.
قرر أن يقنع و الديه بفكرة استئجارهما بعيدا عنهما بحجة أنه يريد أن يقترب
من عمله و مدرسة زوجته ، و فعلا استطاع أن يقنعهما و وافقا و دعيا
له بالتوفيق ، و في خلال أسبوع استأجر و أثث البيت الجديد و بدآ العيش فيه
و عادت الأسرة و التأمت من جديد و الحمد لله.
الأمر الذي لم تكن تعلمه سارة أن زوجها فصل من عمله، و الأمر الآخر
الأشد مرارة أنه أصبح متعاطيا للمخدرات .
علمت بفصله من العمل بعد أسبوع من انتقالهما إلى المسكن الجديد، فحاولت
أن تقنعه أن يرجع إلى عمله و يسعى جاهدا في ذلك ، لكن من يسلك طريق
المخدرات يصبح متبلد الإحساس ضائعة أوقاته مخطئا في حساباته لا يبالي و لا يكترث.
صار يستهلك خالد نقودا كثيرة من زوجته بحجة مشاريع صغيرة يقيمها ، لكنه في
الحقيقة كان يصرفها في شراء المخدرات، و هي لم تكن تدقق معه كثيرا في أمر المال
حتى لا يقعان في نفس المشاكل الماضية و تقول: مادمت أني مع زوجي ، و زوجي مع
أبنائه فالحمد لله، تلك نعمة عظيمة لا يعرفها إلا من يفقدها.
كان الأب من وقت إلى آخر يسأل سارة عن مالها و كم عندها و ماذا صرفت منه و فيم ،
أحس الأب أن هناك مبالغ كثيرة تهدر في غير محلها و أن هناك استغلالا قائما
من خالد لابنته، و في إحدى زيارات سارة إلى أهلها مع خالد ، أقنع أبو سارة
ابنته دون علم من خالد أن يحتفظ بمالها عنده و هو من يقوم بإعطائهما مالا
على قدر الحاجة، لم تجد سارة إلا أن توافق رغم إحساسها أن ذلك موعد آخر
مع مشاكل أخرى جديدة .
ماتت الصغيرة بعد أشهر بسرطان في بطنها جعلها الله شفيعة لوالديها يوم
القيامة.
ومضت خمس سنوات و الأمور بخير، أنجبا فيها بنتين أخريتين أمل و جمانة
وولدين آخرين صفوان و صالح .
خالد أصبح أكثر إدمانا من ذي قبل ، و صار يحتاج إلى مال أكثر ، كما أنه لا حظ
على زوجته شحها عليه في السنوات الثلاثة الأخيرة ، أخذ يضغط عليها و يحكي
لها عن مشروع هنا و مشروع هناك و هي تعلم أنه لا يصدق ، بدليل أنها
لم تجن من مشاريعه الصغيرة السابقة أي فائدة تذكر، خافت سارة أن يظن زوجها
أنها تمنعه مالها و أنها لا تريد مساعدته فاضطرت إلى إخباره بالحقيقة، حقيقة أن
والدها يحتفظ بمالها بناءا على أمر منه و قد حاولت إقناعه بترك المال عندها لكنه
رفض.
غضب خالد من تصرف أبيها ، و قرر أن يذهب هو و هي إليه و يقنعانه أن يترك
مال ابنته لها تنجز في حياتها و أعمالها بمعاونة من زوجها .
قابلاه و تفاهما معه ، لم يعجبه حديث خالد و لا شكله ، و عادة يعرف الرجال
ملامح الإنسان الصالح من الطالح و يعلمون إن كان من أهل الدخان و الضياع ، تلفظ
أبو سارة على خالد و نعته بنعوت سيئة تقدح فيه و في سلوكه ، فما كان من خالد
إلا أن انصرف و معه زوجته و رجعا إلى البيت .
هناك في البيت أخذا خالد يناقش سارة في الألفاظ التي قالها عمه في حقه ، و قال:
نسي أبوك أنه أنا من أنقذ ابنه من القتل قبل سنوات ؟ حينما تجسس
فواز على عرض جاره و جاء جاره يريد أن يقتله ، نسي ؟
ثارت حفيظة سارة و دافعت عن أخيها فواز ، أول مرة تسمع بقصته ،
و قالت : الظاهر إنك تقول أشياء ما تفهمها ، الظاهر أبوي صادق إنك منت طبيعي ،
قام و صفعها خالد صفعة كتلك الأولى و قال : أنت حرام علي يقصد ( طالق )
إن لم تكن قصة أخيك فواز صحيحة ، و انصرف خالد و خرج من المنزل ،
اتصلت سارة بأحد إخوتها و أتى و أخذها هي و أولادها إلى بيت أبيها .
هناك سمع منها أبوها ما جرى ، و سمع اتهام خالد لابنه و أنكر أن يكون صحيحا ، و أمر ابنته
أن تبقى عنده، خالد عاد إلى بيته الأول و أخذ أبناءه و حرم أمهم منهم ،
و ما زالوا بين المحاكم و بين المصلحين من الناس إن وجدوا
إلى يومنا هذا .
ظمأٌ في حلق صالح الرضيع
ظمأٌ في حلق عبدالله المراهق، وأخاف أن يضيع
ظمأٌ في عين صفوان الضليع
ظمأٌ في قلبي جمانة و أمل، ظمأٌ مريع
ظمأٌ في صوت فيصل يدعوا، يارب يا سميع
ظمأٌ في كل جوارح سارة، أجرم أهلها في حقها جرما شنيع
ظمأٌ مخلوط بسكر في كل أجزاء خالد، هائم في هذا الكون الوسيع.
نهاية القصة .
__________________
اللــهُمّ توفـّنـي مُسْـلـمـاً وَألـْحِـقنـي بـِالـصَّـالِـحـيـْن