نعم كلنا في الهوا سوا .... الأبناء ـ لا أريد أن أقول إنهم عنيدون ـ ولكنهم ربما يرغبون في إثبات ذواتهم وأن بيدهم القرار في أمورهم الخاصة .. خاصةً أننا نحن الأهل ما شاء الله لا نقصر في إصدار الأوامر والنواهي طوال اليوم
أنا مثلكن طبعاً .. أفقد أعصابي .. ولكن من خلال تجربتي البسيطة جداً مع سلطان اكتشفت أن العصبية لا تأتي غالباً إلا بنتائج سلبية .. لذلك وبطبيعة الحال كان يجب العمل على السيطرة على تلك العصبية .. ولا أدعي أنني أنجح دائماً .. ولكنني لا أتوقف عن السعي للوصول إلى درجة أفضل من هدوء الأعصاب .. لأن النتائج تكون أفضل دائماً عندما تحتفظ الأم بهدوء أعصابها.
وغالباً نحن متفقون على أن الطفل في النهاية هو الذي يجب أن يكون تحت طوعي ولست أنا التي يجب أن أكون تحت أمره .. وإذا أصر سلطان مثلاً على لبس معين أرى أنه استهلكه كثيراً مؤخراً .. فإنني أرفض بهدوء .. وعندما يبدأ نوبة الغضب والحركات اللي مالها معنى من بكاء واستنكار واعتراض أرد عليه بهدوء: (خلاص براحتك .. بس ما في طلعة اليوم وبنتم في البيت) .. ثم أتركه وأذهب بعيداً عنه ..... والنتيجة أنه يرضخ لما أريد حتى وإن استمر على بكائه واعتراضه لبعض الوقت.
مع الوضع في الاعتبار ضرورة إبداء بعض المرونة بين وقت وآخر .... يعني لا يمنع أن يكون له قرار في اختيار ما يلبس أحياناً.
الأمر الثاني .. جربته بدايةً عندما كنت أدرب سلطان على استخدام الحمام .. وأذهلتني النتيجة الإيجابية التي وصلت لها .. فخلال تلك المرحلة كنت في أهدأ حالاتي .. وسبحان الله لم أفقد أعصابي أبداً أبداً .. ولم أضطر للصراخ أو الانتقاد الحاد ..... كل ما فعلته هو أنني اتبعت أسلوب الثواب والعقاب .. بحزم وجدية وثبات تام.
مثلاً .. بدأت مؤخراً في لفت انتباهه إلى ضرورة أن يجلس جيداً على المائدة وأن يأكل بهدوء حتى لا يسبب فوضى ويوسخ مكانه ببقايا الطعام .. ولكن لا فائدة ... حضرته يتحرك كثيراً ويأكل بسرعة وببتعد بجسده عن المائدة ولا ينظر للقمته أساساً وهو يضعها في فمه فتكون النتيجة أن نصف الأرز الموجود في طبقه ينتقل لثيابه ويتساقط على الأرض ... عندها قررت أن أعود إلى أسلوب الثواب والعقاب .. قلت له: إن أكلت جيداً واقتربت من صحنك ولم تنثر الأرز على ثيابك أو على الأرض سأسمح لك باللعب في الحديقة وبركوب سيارتك .. أما إن وسخت نفسك بالأكل فلا حديقة ولا سيارة .... وبالفعل في البداية لم يكن قادراً على السيطرة على نفسه جيداً فحرمته من الحديقة والسيارة .. وبعدها ببضعة أيام أصبح أكثر تركيزاً على المائدة وأصبحت فترة الطعام تمر دون حوادث فسمحت له باللعب في الحديقة وبركوب سيارته.
وبالمناسبة .. رغم أنه يدرك أن الحرمان مرتبط بسلوكه على المائدة إلا أنه بطبيعة الحال يجب أن يتذمر ويرفض العقاب .. ولكنني بهدوء أوضح له أن لا مفر وأنه إن أحسن التصرف غداً فسوف أسمح له باللعب كما يريد.
أما الحمام .. فأعتقد أن ما يفعله الأطفال طبيعي .. فهو يوازن في عقله الصغير بين المهم وغير المهم .. يعني هل تعتقدن أن الطفل سيترك اللعب لمجرد أن يذهب للحمام؟؟؟
أما مسألة (ماما انتي تحبيني؟) .. فسلطان أيضاً بدأ يقولها منذ أن بلغ الثالثة والنصف .. ورغم أنني لم أتوقع مثل هذا السؤال من ابني نظراً لحرصي الشديد على التعبير اللفظي والسلوكي عن حبي وعاطفتي نحوه باستمرار سواءً من خلال الكلمات المباشرة أو من خلال الاحتضان والتقبيل والمسح على الرأس وحتى نظرة العين .. إلا أنني كنت قد قرأت موضوعاً هنا يشير إلى أن هذا السلوك وهذا السؤال طبيعي لدى الأطفال في هذا العمر .. ودائماً يكون جوابي: (طبعاً احبك .. يعني إذا ما احبك انت باحب من؟) ثم أحتضنه وأقبله وأبداً اسطوانة الغزل (انت حبيبي الغالي .. انت حياتي .. فديتك)
ومنذ بضعة أيام فقط فاجأني بتطور آخر .. فبعد أن وضعته في السرير مساءً سألني بدون أي مناسبة: ماما انتي ليش ما تحبيني؟!!! .. فقلت له: من قال اني ما احبك؟ .. قال: انتي ما تحبيني .. تزعلين مني وايد!!!
فديت هذا الولد والله أوجع قلبي بتلك الكلمة .. ورددت عليه: يا ماما انا احبك وااااايد .. بس ازعل يوم تسوي شي غلط .. وانت شاطر وبطل وما بتسوي شي غلط صح؟ ... قال: صح .... ثم قبلته واحتضتنته وقرأت عليه الأذكار ونام.
مع العلم أنني في حياتي لم أقل لابني (أنا ما احبك) .. ولم ألجأ أبداً لتهديده من هذه الناحية بأي شكل من الأشكال .. وحتى إن فعل أمراً يضايقني فإنني أقول له (أنا زعلانة لأنك عملت الشيء الفلاني) .. ولا أقول أبداً: (أنا لا أحبك لأنك عملت كذا أو كذا)
ما أريد قوله إن الأطفال حساسين جداً من الناحية العاطفية .. ويبدو أنهم يفسرون أي موقف سلبي من الأم تحديداً على أنه رفض عاطفي وعدم محبة لهم .. ورغم أنني شخصياً كنت أعتقد أنني أحقق التوازن المطلوب في طريقة معاملتي لابني إلا أنه يبدو ألا مفر من تلك المرحلة الحساسة في عمر الطفل.