هل حقا المستقبل لهذا الدين ومتى نستحق النصر
بسم الله الرحمن الرحيم
المستقبل لهذا الدين
كثيراً ما يرد على أسماع المصلحين والدعاة وطلاب العلم أن المستقبل لهذا الدين،
وأن المستقبل للإسلام، وأن النصر قادم إن شاء الله تعالى. فيقول القائل
في مرارة وحسرة:
أيّة بشرى بمستقبل الإسلام والمذابح الوحشية تلاحق المسلمين في كل مكان،
أية بشرى وأيّ أمل وقد بُتر من جسد الأمة القدس الحبيب،
أولى القبلتين ومسرى الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم، أية بشرى
وأي أمل وقد اتفق أعداء الإسلام - على اختلاف مشاربهم وتعدد دياناتهم -
على القضاء على الإسلام واستئصال شأفة المسلمين، أية بشرى
وأي أمل وقد مات العام الماضي ثلة من علماء الأمة الربانيين والمصلحين
المخلصين واحداً تلو الآخر رحمهم الله تعالى جميعا، وبالرغم من كل هذا بل
وأكثر من هذا نقول:
لئن عرف التاريخ أوساً وخزرجا فلله أوس قادمون وخزرج
وإن كنوز الغيب تخفـي طلائعـاً صابرةً رغم المكائد تخرج
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل، وكان صلوات ربي وسلامه عليه عند
تناهي الكرب والشدائد يبشر أصحابه بالنصر والتمكين كما فعل يوم الأحزاب.
(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً).
نعم أيها المؤمنون فإن أشد ساعات الليل سواداً هي الساعة التي يليها ضوء الفجر،
وفجر الإسلام قادم لا محالة كقدوم الليل والنهار، وإن أمة الإسلام قد تمرض وتعتريها
فترات من الركود الطويل، ولكنها بفضل الله جل وعلا لا تموت،
وإن الذي يفصل في الأمر في النهاية ليس هو قوة الباطل
وإنما الذي يفصل في الأمر هو قوة الحق، ولا شك
أنه معنا الحق الذي من أجله خلقت السماوات والأرض،
والجنة والنار، ومن أجله أنزلت الكتب وأرسلت الرسل،
معنا كما قال سيد قطب رحمه الله تعالى رصيد الفطرة.
فقال في فصل جميل له بعنوان رصيد الفطرة، قال: يوم جاء الإسلام أول مرة وقف في
وجهه واقع ضخم، وقفت في وجهه عقائد وتصورات، ووقفت في وجهه قيم وموازين،
ووقفت في وجهه أنظمة وأوضاع، ووقفت في وجهه مصالح وعصبيات، كانت المسافة
بين الإسلام يوم جاء وبين واقع الناس مسافة هائلة سحيقة، ولو أنه قيل لكائن
من كان في ذلك الزمان أن هذا الدين الجديد هو الذي سينتصر لما لقي هذا القول إلا
السخرية والاستهزاء والاستنكار! ولكن هذا الواقع سرعان ما تزحزح عن مكانه ليخليه
للوافد الجديد، فكيف وقع هذا الذي يبدو مستحيلاً، كيف استطاع رجل واحد أن يقف وحده
في وجه الدنيا كلها، إنه لم يتملق عقائدهم، ولم يداهن مشاعرهم، ولم يهادن آلهتهم، ولم
يوزع الوعود بالمناصب والمغانم لمن يتبعونه، فكيف إذن وقع الذي وقع؟ لقد وقع الذي
وقع من غلبة هذا المنهج لأنه تعامل من وراء الواقع الظاهري مع رصيد الفطرة. انتهى.
إذن معنا رصيد الفطرة،
وقبل ذلك كله معنا الله، ويا لها من معية كريمة جليلة
مباركة، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
إنه وعد الله وكلمته (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ،إنهم لهم المنصورون ،
وإن جندنا لهم الغالبون)
إن هذا الوعد المبارك سنة من سنن الله الكونية الثابتة التي لا تتبدل ولا تتغير،
وإن هذا النصر سنة ماضية كما تمضي الكواكب والنجوم في أفلاكها بدقة وانتظام.
أيها المسلمون: قد يبطئ النصر لأسباب كثيرة جداً،
ولكنه آت بإذن الله تعالى في نهاية المطاف
فمن أسباب النصر:
1 الإخلاص وعدم الشرك بالله {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده
ولو أشركوا لحبط
عنهم ما كانوا يعملون} 88 (الأنعام).
2 البعد عن معصية الله... وعدم ارتكاب الذنوب: {أو لم يهد للذين يرثون الأرض
من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على"
قلوبهم فهم لا يسمعون 100} (الأعراف).
3 عدم التنازع والفرقة والخلاف: وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم
واصبروا إن الله مع الصابرين 46 (الأنفال).
4 طاعة الله والاستجابة لتوجيهاته والعمل بها: ولو أنا كتبنا عليهم
أن \قتلوا أنفسكم أو اخرجوا
من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون
به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا 66
وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما 67 ولهديناهم صراطا مستقيما 68 (النساء).
5 الإيمان وتقوى الله: {ولو أن أهل القرى" آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء
والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} 96 (الأعراف).
6 تحقيق معنى العبودية الصحيحة: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات
ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى
لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر
بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } 55 (النور).
7 الخوف من الله: وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن
في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين 13 ولنسكننكم الأرض من بعدهم
ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد 14 (إبراهيم).
8 الصلاح في الأرض: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر
أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} 105 (الأنبياء).
9 الصبر على البلاء: {بلى" إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم
هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين }125 (آل عمران).
10 الدعاء وصدق التوجه إلى الله: وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا \غفر لنا ذنوبنا
وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين 147 فآتاهم الله ثواب الدنيا
وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين 148 (آل عمران).
11 عدم طاعة الكافرين أو السير في ركابهم: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا
يردوكم على" أعقابكم فتنقلبوا خاسرين} 149 (آل عمران).
12 تذكر نعم الله بصفة دائمة والاعتراف بها وشكرها:{ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله
عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا}
(9) (الأحزاب).
13 الثبات: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا
لعلكم تفلحون} 45 (الأنفال).
14 بذل الوسع.. وإعداد العدة:
{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو
الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء
في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } 60 (الأنفال).
15 التغيير إلى ما فيه رضا الله: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على
" قوم حتى" يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم }53 (الأنفال).
16 نصرة الله عز وجل: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز 40 (الحج)،
يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} (7) (محمد).
مهما رصد الباطل وأهله من قوى الحديد والنار، ونحن لا نقول ذلك
رجماً بالغيب ولا من باب الأحلام الوردية لتسكين الآلام وتضميد الجراح كلا،
ولكنه القرآن الكريم يتحدث، والرسول الصادق الأمين يبشر، والتاريخ والواقع يشهد.
نعم، فمع بشائر القرآن العظيم: قال الله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى
ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) وقال تعالى:
(يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون)
ووعد الله المؤمنين بالنصر فقال: (ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم فجاؤوهم
بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) وقال تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) ففي هذه الآيات أخبر الله
سبحانه وتعالى أن من سنته في خلقه أن ينصر عباده المؤمنين إذا قاموا بنصرة دينه
وسعوا لذلك، ولئن تخلفت هذه السنة لحكمة يريدها الله في بعض الأحيان فهذا لا ينقض
القاعدة، وهي أن النصر لمن ينصر دين الله. ومن البشائر وعد الله للمؤمنين بالتمكين في
الأرض (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف
الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً
يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) وقد وعد الله في
هذه الآية وهو الذي لا يخلف الميعاد وعد المؤمنين باستخلافهم في الأرض، وأن يمكن لهم
دينهم، وأيّ أمل للمسلمين فوق وعد الله عز وجل، وأيّ رجاء بعد ذلك للمؤمن الصادق.
ومن البشائر في كتاب الله الإشارة إلى ضعف كيد الكافرين وضلال سعيهم، إن مما يجلب
اليأس لكثير من المسلمين ما يراه من اجتماع الكفار على اختلاف طوائفهم ومشاربهم على
الكيد للإسلام وأهله، وما يقومون به من جهود لحرب المسلمين في عقيدتهم
وإفساد دينهم، في حين أن المسلمين غافلون عما يكاد لهم ويراد بدينهم،
وحين يرى المرء ثمرات هذا الكيد تتتابع حينئذٍ يظن
أن أيّ محاولة لإعادة مجد المسلمين ستواجه بالحرب الشرسة وتقتل
في مهدها، فيا من تفكر في هذا الأمر اسمع لهذه الآيات:
قال الله تعالى: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا
عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون
والذين كفروا إلى جهنم يحشرون) فكم من المليارات أنفقت
ولا زالت تنفق بسخاء رهيب للصد عن سبيل الله لتنحية دين الله عز وجل،
ولكن بموعود الله عز وجل فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون.
__________________
(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)سورة الطلاق
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ الله عَنْه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
{ ما مَنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدعٌو لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إلاّ قَالَ الْمَلَكُ وَلَكَ بِمِثْلٍ }.[size=1]رواه مسلــم [/
size]،
أخوكم المحب الناصح همام hamam129